محمود وصيد الأمل وسط النكبة
بقلم علي خليل ترحيني
ما إن يغفو النهار فوق جبين صيدا، وتتوارى خيوط الشمس خلف أزقتها العتيقة، حتى يجد محمود نفسه مسكوناً بوجع الذاكرة الذي لا يهدأ ولا يستكين. يجلس على صخور الكورنيش قبالة البحر، يتأمل الموج المنساب في الأفق، وينفض صنارته لتعانق الماء، مستجمعاً شتات الذكريات الجميلة من بلدته عبّا في قضاء النبطية، وغيرها من القرى الجنوبية التي محيت عن بكر أبيها أو دمرت أجزاء كبيرة من ذكرياتها . يستحضر في هذه اللحظات صور الأيام الخوالي، حين كانت الحياة تسير على إيقاع السنن الكونية، حيث كان الفتى اليتيم يسعى في الأرض مع إخوته، يرعى الأغنام والماعز، ويصيد العصافير على الفخ. يتذكر كيف كان يعود مساءً مع إخوته ليمعطوا ريش العصافير، وتقدمها والدتهم بعد طبخها لهم وليمة شهية ، يجتمع عليها الإخوة بنهم وسعادة. وتتراءى له تلك الأيام الهادئة في الضيعة؛ حيث كان منزلهم لا ينقطع من اللحم، سواء من صيدهم البري أو من الشاة والجدي التي يمسكونها، أو من الدجاج والحمام الذي يربونه. كانت أيام طفولتهم بسيطة وجميلة، ومن النوادر فيها أن يأكلوا السمك والسردين، إذ كان ذلك مقتصراً على مواسم معينة.
في حضرة البحر، يحفر الحرمان أخاديده على وجه محمود المتعب، لتشهد ملامحه على قسوة النكبة التي اقتلعت الأسر من جذورها ودمرت بيوتها وحقولها. لكنه كلما غاص في لجة الذكريات، يستحضر شبابه الأول في صيدا، حين اشترى صنارة صيد مميزة ومارس هواية الصيد، ودائماً كان يأكل مما يصطاده. يتذكر عمله في مطبخ المهنية الرسمية إلى جانب الشيف جعفر حريري (أبو مالك) ، وعودته بعد نهار طويل من الشقاء إلى أزقة المدينة القديمة. كانت سينما ليلى في صيدا القديمة تشكل له ولأصدقائه ملاذاً ومستراحاً، حيث كانت الأعمال الكوميدية التي تعرض على شاشتها تبدد تعب النهار وقسوة الكدح، فترسم على وجوههم ابتسامة تنسيهم مرارة الأيام. يتذكر طعم الكنافة من الجردلي، وأقراص التمر من عند أبو حسن الهبش، والشعيبيات من عند كنعان، والمعمول من عند قصير، وشراب التمر والسوس من عند الأرناؤوط، ورائحة الأزقة القديمة التي كانت تضج بالحياة، كما يتذكر كيف كانوا يحضرون " إحترس من الخط" و " الزعيم " للفنان عادل إمام، وعروض سينما الكارلتون، وأفلام "خلّ بالك من زوزو" في سينما غرانادا على البوابة الفوقا، وسط تفاصيل صغيرة غدت اليوم جزءاً من ماضٍ عزيز.
لقد ظن محمود يوماً أن تعب يديه في تلبيس الحجر الصخري وتكحيله قد ضمن له ولأسرته مستقبلاً آمناً، فأنفق ما يملك على تعليم أبنائه، لكن تبدل ظروف العمل وزحف الأيدي العاملة أثقلا كاهله، ثم جاءت الحرب والنزوح لتدمر البيوت والحقول والأشجار، وتتركه وأسرته في غرفة واحدة بمدرسة الإصلاح الرسمية في صيدا. واليوم، مع التهجير القسري الذي أعاد له نكبة التهجير بمرارتها وما فيها من ذكريات الأمل رغم الظروف الصعبة، عاد محمود إلى ممارسة هواية الصيد لتخفف من مخاوف صوت القذائف وهدير الطائرات الحربية والقنابل التي تهز أركان البلاد وأرضها. يرفض محمود الاستسلام؛ إذ يلقي بصنارته في البحر، ويعود إلى عائلته النازحة حاملاً بضع سمكات من البوري وأم الواسطة، لترسم على ثغر زوجته وأولاده بسمة أمل ونشوة انتصار بالسمك الطازج الذي غلا ثمنه وأصبح طعام الميسورين. يعود محمود ممسكاً بالأمل، منتظراً ساعة الإشراق التي ستعيد إليه بلدته وبيته، واثقاً بأن إرادة البقاء أقوى من كل عنجهية، وأن الحق في الأرض سيعود لأصحابه مهما اشتدت نيران النازلة، فكل ما يرجوه هو أن يرى فجر العودة، متمسكاً بذاكرته التي ترفض الفناء، وموقناً بأن النكبة، مهما بلغت قسوتها، ليست سوى عارضٍ في مسيرة التاريخ، واليقين يظل معقوداً بساعة الإشراق التي لا بد آتية.

.jpeg)
Comments
Post a Comment