حنان نداف
ليس كل ما يُتداول على وسائل التواصل يمرّ مرور الكرام فبعض المقاطع تترك أثراً ثقيلاً يتجاوز لحظة المشاهدة ليطرح أسئلة موجعة عن المجتمع وقيمه.. هذا تماماً ما فعله مقطع الفيديو الذي انتشر عبر مجموعات التواصل الاجتماعي والذي يوثّق حالة سيدة نازحة تعاني اضطرابات نفسية وعقلية وجدت نفسها وحيدة في شوارع صيدا بلا حماية وبلا سند.
السيدة بحسب ما يرويه مصوّرا الفيديو تبدو في العقد الثاني من عمرها قدمت من منطقة بعلبك – اللبوة قبل اندلاع الحرب او خلال ظروفها وأُودعت أحد مراكز الإيواء قبل أن تتوه لاحقاً في الطرقات ليتعدى ذلك ضياع الحماية الاجتماعية والإنسانية لها .
يروي الرجل في الفيديو كيف تعرّضت السيدة لمضايقات وصلت إلى حد التحرش الجنسي ومحاولات دفعها إلى سلوكيات مهينة من قبل بعض " الوحوش البشرية " مستغلين هشاشتها النفسية وعدم قدرتها على حماية نفسها في المقابل يظهر في الفيديو صوتان إنسانيان يحاولان بما استطاعا أن يرفعا هذا الظلم عبر مناشدة صريحة: حماية هذه السيدة والبحث عن ذويها وتحميل الجهات المعنية مسؤولياتها.
لكن ما بين قسوة المشهد ونداء الضمير يبرز سؤال أكبر: ماذا يكشف هذا الفيديو عن مجتمعنا؟
الأمر ليس مجرد حادثة معزولة بل انعكاس لمنظومة قيم لا تزال ترى في المرأة خصوصاً إذا كانت ضعيفة أو مريضة جسداً مستباحاً أكثر من كونها إنساناً يستحق الحماية هنا يتقاطع المرض النفسي مع " الجندر " لتصبح المرأة عرضة لأبشع أشكال الاستغلال ليس فقط لأنها عاجزة بل لأنها “امرأة” في مجتمع ذكوري .
ولو افترضنا للحظة أن الحالة نفسها لرجل يعاني الاضطرابات ذاتها هل كان سيتعرض لما تعرضت له هذه السيدة؟ ربما للتنمر أو العنف .. نعم لكن ليس بالضرورة لهذا النوع من الانتهاك القائم على الاستغلال الجنسي.. هذه المفارقة وحدها كفيلة بكشف الخلل العميق في نظرتنا إلى النساء وخاصة الأكثر هشاشة منهن.
إن خطورة ما حدث لا تكمن فقط في الجريمة الأخلاقية، بل في الصمت الذي قد يحيط بها ان لم تتحول إلى قضية تبحث عن حل لها فهذه السيدة ليست حالة فردية بل نموذج لنساء كثيرات يقعن في دوائر التهميش حيث يتقاطع الفقر والنزوح والمرض مع غياب الحماية القانونية والاجتماعية.
لذلك المطلوب تحرك عاجل من الجمعيات المعنية ومن الجهات الرسمية ومن كل من يعمل في مجال الصحة النفسية وحقوق الإنسان لإيجاد وانقاذ هذه السيدة و تأمين مأوى آمن لها و تقديم الرعاية الطبية والنفسية اللازمة والعمل على حمايتها من أي استغلال إضافي و رفض هذه السلوكيات عبر محاسبة مرتكبيها علّنا ننقذ معها ما تبقى من إنسانية في هذا المجتمع !!

Comments
Post a Comment