العقوبات بدأت من الضباط لأن معركة إسقاط دويلة حزب الله دخلت قلب الجيش اللبناني. ديما حسين صلح





ديما حسين صلح


في لبنان، لا تُفتح المعارك الكبرى بالدبابات،تُفتح أولاً بالعقوبات، بالعزل، بإعادة رسم خطوط النفوذ داخل الدولة، ثم يبدأ الاقتلاع التدريجي لكل قوة عطّلت قيام الجمهورية طوال السنوات الماضية. 

ولهذا تحديدا فإن العقوبات التي طالت شخصيات لبنانية وضباطا في المؤسسة العسكرية ليست تفصيلا ماليا ولا إجراء تقنيا، بل إعلان دولي واضح بأن زمن التسويات الرمادية انتهى، وأن المرحلة المقبلة عنوانها(من مع الدولة فعليا ومن ما زال يحرس نفوذ حزب الله داخل مؤسساتها.

من يعتقد أن واشنطن تعاقب ضابطا بسبب شبهة فردية يقرأ المشهد بعين ضيقة فالأميركي يعرف تماما ماذا يفعل، ويعرف أين يضغط، ويعرف أن الطريق إلى استعادة الدولة اللبنانية لا يمر فقط عبر السياسة، بل عبر تفكيك البنية التي سمحت لحزب الله بأن يتحول من تنظيم مسلح إلى قوة تتحكم بقرار الحرب والسلم، وتفرض على الحكومات حدود حركتها، وتمنع الجيش نفسه من تنفيذ مهماته السيادية الكاملة.

ولهذا السبب تحديدا دخلت العقوبات إلى المؤسسة العسكرية.

لأن الغرب اكتشف أن المشكلة في لبنان لم تعد محصورة بالسلاح غير الشرعي وحده، بل بمن يحمي هذا الواقع داخل الدولة، ومن يعطّل أي مواجهة جدية معه، ومن يمنع الحكومة من ترجمة قراراتها إلى إجراءات ميدانية. 

هنا يبدأ الكلام الكبير الذي كان يُهمس به في الكواليس الدولية منذ سنوات(لا يمكن بناء دولة في لبنان بجيشٍ مخترق بولاءات سياسية وعقائدية تتقدم على ولائه للدولة.

هذه هي العقدة الفعلية التي انفجرت اليوم فالجيش اللبناني الذي يفترض أن يكون الذراع التنفيذية للسلطة الشرعية، بقي طوال المرحلة الماضية يتحرك ضمن توازنات سياسية تمنعه من الاقتراب من الملفات المرتبطة بحزب الله. 

لا أحد في الداخل أو الخارج يجهل أن داخل المؤسسة العسكرية ضباطاً وعناصر يدورون في الفلك السياسي والعقائدي للحزب، ولا أحد يجهل أن هذا الواقع شكّل طوال السنوات الماضية أحد أبرز العوائق أمام أي مشروع سيادي حقيقي.

ومن هنا جاءت العقوبات كرسالة مباشرة، فالمجتمع الدولي لم يعد مستعداً لتمويل مؤسسة يُشتبه بوجود نفوذ لحزب الله داخل بعض مفاصلها.

وهذا أخطر ما في الأمر لأن الجيش اللبناني ليس جيشاً مكتفياً ذاتيا،الجيش يعتمد بصورة أساسية على المساعدات الغربية والعربية، من الرواتب إلى السلاح إلى الذخائر إلى التكنولوجيا والتدريب والدعم اللوجستي. وبالتالي، عندما تبدأ العقوبات بالتسلل إلى داخل المؤسسة العسكرية، يصبح مستقبل هذا الدعم مرتبطاً بمدى قدرة الجيش على إثبات استقلاله الكامل عن أي نفوذ حزبي أو مذهبي أو إيراني.

وهنا تحديداً يبدأ التحول الكبير،العقوبات ليست فقط لمعاقبة أفراد، بل لدفع المؤسسة العسكرية إلى إعادة فرز نفسها بنفسها(أي ضابط قد يتحول إلى عبء على صورة الجيش سيتم عزله تدريجياً، وأي وحدة يحيط بها الشك ستدخل تحت المجهر، وأي مفصل أمني يعطل مشروع الدولة سيصبح هدفاً مباشراً للضغط السياسي والمالي الدولي.

ولأن الأميركي لا يعمل بردّات فعل، فإن المسار المقبل يبدو واضحا (تشكيل وحدات عسكرية تحظى بثقة كاملة من الدول الداعمة، وحدات قادرة على تنفيذ المهمات التي امتنعت المؤسسة العسكرية عن تنفيذها طوال سنوات بفعل الحسابات الداخلية والخوف من الصدام مع حزب الله.

وهنا ندخل إلى جوهر المرحلة الجديدة في لبنان.

رئيس الحكومة نواف سلام لا يقود حكومة عادية،الرجل يقود أخطر محاولة لإعادة بناء الدولة اللبنانية منذ اتفاق الطائف،مشروعه قائم على فكرة واحدة لا تقبل المساومة(لا سلاح خارج الدولة، لا قرار أمني خارج المؤسسات الشرعية، لا قوة تعلو على سلطة الحكومة وهذه ليست شعارات إعلامية، بل مسار سياسي بدأ يترجم نفسه بهدوء داخل الإدارة والقضاء والأجهزة الأمنية والعسكرية.

لكن أي مشروع سيادي يحتاج إلى مؤسسة عسكرية مستعدة لتنفيذه بالكامل وهنا ظهر الاصطدام الحقيقي.

فداخل الجيش ما زالت توجد قوى وشخصيات وتوازنات لا تتحمس للذهاب نحو مواجهة حاسمة مع نفوذ حزب الله، سواء بدافع القناعة أو الحسابات أو الخوف من الانفجار الداخلي ولذلك، فإن العقوبات الأميركية جاءت لتقول بوضوح إن المرحلة المقبلة لن تسمح باستمرار هذا التردد، وإن على المؤسسة العسكرية أن تحسم موقعها النهائي(هل هي جيش الدولة، أم جيش التوازنات التي حمت سلاح الحزب لعقود؟

لهذا تبدو العقوبات على الضباط أخطر بكثير من العقوبات على السياسيين ،فالسياسي يستطيع الاختباء خلف طائفته أو حزبه أو جمهوره أما الضابط، فهو جزء من مؤسسة يفترض أنها تمثل الدولة نفسها وعندما يُعاقَب ضابط بسبب علاقات أو شبهات مرتبطة بحزب الله، فالمقصود الحقيقي ليس الرجل وحده، بل البيئة التي يتحرك داخلها، والخط الذي يحميه، والمناخ الذي عطّل قيام الدولة طوال المرحلة السابقة.

ولهذا أيضاً، فإن ما يجري اليوم ليس استهدافا للجيش اللبناني كما يحاول البعض تصويره، بل محاولة لإنقاذه من التحول إلى مؤسسة مشلولة أمام نفوذ حزب الله لأن الجيش الذي يعجز عن تنفيذ قرارات السلطة السياسية يفقد دوره تدريجيا ويتحول إلى جهاز يراقب الوقائع بدل أن يفرض سلطة الدولة عليها.

الدول لا تدفع مليارات الدولارات لتسليح جيش يقف متفرجا والولايات المتحدة تعرف أن أي مشروع لنزع السلاح وفرض السيادة يبدأ أولا من تنظيف المؤسسات الأمنية والعسكرية من أي نفوذ يعطل هذا المسار. 

لذلك، فإن العقوبات الحالية ليست النهاية، بل بداية مرحلة عنوانها إعادة تشكيل الدولة اللبنانية من الداخل، تحت سقف مشروع سيادي يقوده نواف سلام ويمنحه الغرب والعرب دعما غير مسبوق.

أما حزب الله، فيفهم تماما خطورة ما يجري،لأن المعركة لم تعد محصورة بخطاب سياسي أو خلاف حكومي أو سجال إعلامي. 

المعركة انتقلت إلى داخل البنية التي حمت نفوذه لعقود وعندما تبدأ الدولة باستعادة الجيش فعلياً، تبدأ للمرة الأولى منذ سنوات طويلة عملية استعادة لبنان نفسه…

Comments