عمل لأكثر من ثلاثة عقود لصالح الكيان داخل لبنان، وفي النهاية ــ كما قال هو ــ أُلقي مثل الخرقة القديمة في أقرب سلة مهملات... أمين الحاج، المعروف حركياً بـ "رومنجيه".
عمل لأكثر من ثلاثة عقود لصالح الكيان داخل لبنان، وفي النهاية ــ كما قال هو ــ أُلقي مثل الخرقة القديمة في أقرب سلة مهملات...
أمين الحاج، المعروف حركياً بـ "رومنجيه".
ولد أمين الحاج في جنوب لبنان في الأربعينيات لعائلة شيعية ثرية، ونشأ داخل بيت متدين يمتاز بوعي وطني؛ إذ ما زال يحتفظ بصور والده مع رؤساء لبنان على شاشة هاتفه المحمول، ومنهم كميل شمعون.
والمفارقة أن شقيقه هو فاضل عباس الحاج، مدير الدائرة القضائية في للحزب، كما أنه ترعرع في طفولته مع عماد مغنية، القائد العام لقوات الحزب الذي اغتاله الكيان لاحقاً في دمشق.
مع بداية السبعينيات، انتقل الحاج إلى العاصمة بيروت، حيث انخرط في الأوساط الحزبية والسياسية بالتزامن مع اندلاع شرارة الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975.
تزوج على مدار حياته من 22 امرأة، ورزق بثمانية أبناء.
لم يكن أمين الحاج مجرد عنصر عادي، بل كان يمتلك شبكة علاقات واسعة وشخصية برغماتية بامتياز، تضعه دائماً بالقرب من مراكز القوة والنفوذ الحزبي في بيروت الشرقية والجنوب، مما جعله هدفاً ثميناً لرادارات الموساد، التي كانت تبحث عن عيون محلية قادرة على كشف كواليس الساحة اللبنانية المعقدة، واختراق الفصائل الفلسطينية في الداخل.
وفي أواخر السبعينيات، نجح جهاز الموساد في اختراقه وتجنيده.
ونظراً لسرعته، وذكائه الميداني، وشبكة علاقاته الحيوية، منحه ضباط الموساد اسماً حركياً مستوحى من اسم نجم كرة القدم الألماني الشهير آنذاك "رومنيجيه".
لم يكن دوره يقتصر على نقل الأخبار؛ بل أصبح العميل "رومنيجيه" عيناً استراتيجية تخدم مصالح الكيان في لبنان، فشخص في مثل موقعه لم يكن أحد يجرؤ على الشك فيه.
كان يطّلع على محاضر الاجتماعات السرية، ويرصد تحركات القيادات الفلسطينية في بيروت، وينقل بدقة متناهية خرائط المخازن، والمواقع العسكرية، والمقرات الحزبية.
وفي عام 1982، عندما شن الكيان اجتياحه الواسع للأراضي اللبنانية وحاصر بيروت، وصل دور أمين الحاج إلى ذروته الخطيرة؛ فكان يتحرك تحت جنح الظلام والفوضى ليوجه ضربات أمنية صامتة، مقدماً إحداثيات مباشرة لطيران الكيان لقصف مقرات محددة واغتيال كوادر أساسية.
وتمكن في فترة من الفترات من تجنيد 15 لبنانياً وفلسطينياً للتخابر مع الاحتلال، وكان من بينهم بحّار.
يقول الحاج في إحدى مقابلاته: «كان بحوزة المجند الجديد معلومات كثيرة. ولما بلغني من رجالي أنه اقتيد إلى بيت معين داخل مخيم عين الحلوة من قبل خلية فلسطينية، قدمت الإحداثيات عن المكان، فقامت طائرة إسرائيلية بقصفه، ولم يكن أمامي سوى ذلك رغم أنه كان صديقاً وزميلاً».
وكان من بين هؤلاء فتيانٌ جندهم لبعض المهمات مقابل أجر مالي، لكنه يزعم أن تورطه في العمالة لم يكن طمعاً في المال، بل رغبة في التخلص من الفلسطينيين؛ إذ كان يكنّ لهم كراهية شديدة، ودائم التبجح بأنه قتل عدداً كبيراً منهم خلال الحرب الأهلية وعام 1978.
لم يكتفِ "رومنيجيه" بذلك، بل قدم معلومات دقيقة عن "علي حسن سلامة"ــ قائد القوة 17 المعنية بحراسة الرئيس الراحل ياسر عرفات ــ قبيل اغتياله في بيروت، إثر اتهام إسرائيل له بالتخطيط لعملية ميونيخ.
حيث طُلب منه جمع معطيات عن مكتبه، وبيته، وطريقه إلى العمل، والنادي الرياضي الذي يرتاده، وحتى عن عائلة زوجته ملكة جمال الكون جورجينا رزق.
وبالفعل، وبناءً على هذه المعلومات الوافية، تتبع الموساد أثره حتى اغتاله بتفجير سيارة مفخخة في بيروت عام 1979.
تحول الحاج إلى منسق لوجستي سري يسهل حركة ضباط الاستخبارات الإسرائيلية داخل المناطق اللبنانية، مستغلاً بطاقاته الحزبية ونفوذه الميداني.
وبسبب هذه الخدمات الذهبية، أغدق عليه الموساد آلاف الدولارات، ليتحول من مجرد عميل عادي إلى أحد أثمن الأوراق الأمنية للكيان.
استمر أمين الحاج في تجسسه لسنوات، لكن حرب الظلال لا تدوم لأحد؛ فمع صعود قوى أمنية جديدة في لبنان وتطور أجهزة الأمن والتعقب، بدأت خيوطه تتكشف.
التقطت الأجهزة الأمنية إشارات مريبة عن تسريب محاضر اجتماعات بالغة السرية، وبتقاطع حركة التنقلات والاتصالات، حُصرت الشبهات في دائرة ضيقة كان أمين الحاج في مقدمتها.
شعر "رومنيجيه" آنذاك ببرودة الخوف تحيط بعنقه، وأدرك أن ليلة سقوطه باتت مسألة وقت.
في عام 1989، ومع اقتراب الأجهزة الأمنية اللبنانية من مداهمة وكره، أطلق نداء الاستغاثة الأخير لمشغليه. وفي عملية تهريب أمنية خاطفة، جرى سحبه سراً من قلب لبنان عبر الشريط الحدودي إلى داخل الأراضي المحتلة قبل أن تضع السلطات يدها عليه، ليدخل الكيان هرباً بجلده، تاركاً خلفه تاريخاً من الدمار وعاراً يلاحق اسمه.
أقام الحاج في مدينة نهاريا شمالي فلسطين المحتلة، وحظي في البداية برعاية مادية جيدة كـ "مكافأة" على خدماته، ومُنح بطاقة هوية للعيش هناك.
لكن سيكولوجية العميل المحترق تفرض نفسها دائماً؛ فبمجرد أن انتهت صلاحيته الأمنية واستُنزفت معلوماته، أهمله الموساد وتحول إلى ورقة مستهلكة ملقاة على الرصيف.
عاش الحاج لسنوات يعاني من عزلة قاتلة، واكتئاب حاد، وشعور دائم بالخوف والمهانة، لكونه منبوذاً من المجتمع الذي خان بلده لأجله.
وخرجت بعض التقارير الصحفية العبرية في سنوات لاحقة لتسلط الضوء على حالته البائسة، كنموذج صارخ لكيفية انتهاء مطاف عملاء الكيان بعد احتراق أوراقهم.
وكان يقول باكياً ويشتكي بلهجة مريرة: «اعتصروني كالليمونة وحازوا على معلومات جمة وثمينة، وقدمت لهم قلبي على صينية من ذهب وكذلك الروح، واليوم يرمونني كالخرقة البالية، ولا أفهم لماذا يعاملونني هكذا!».
توفي العميل أمين الحاج لاحقاً بعيداً عن وطنه وأهله، ليبقى اسمه في الأرشيف الأمني اللبناني كواحد من أخطر الجواسيس الذين طعنوا بلادهم في الظهر خلال أصعب فترات تاريخها.

Comments
Post a Comment