الأستاذ راشد شاتيلا: حين يعود الوطن من أبنائه… الشباب اللبناني بين رسالة الاغتراب وواجب النهوض

 




في لحظات التحوّل الكبرى، لا تُقاس الأوطان بما تمتلكه من إمكانات، بل بما يختزنه أبناؤها من إرادة. ولبنان، الذي اعتاد أن ينهض من بين أزماته، لا يستمدّ قوّته من حدوده ، بل من امتداده الإنساني في العالم. فهناك، في بقاع الأرض المختلفة، يعيش لبنان الآخر… لبنان الذي لم تغادره الروح، ولم تنقطع عنه صلة الانتماء.


إنّ الاغتراب اللبناني لم يكن يومًا انقطاعًا عن الوطن، بل شكّل، عبر الزمن، بعدًا إضافيًا له. فالمغترب لم يحمل فقط ذكرياته، بل حمل معه صورة وطنٍ يريد أن يراه أفضل، فسعى إلى النجاح لا لنفسه فحسب، بل ليُثبت أنّ لبنان، رغم كل شيء، قادر على أن يُنجب التميّز حيثما وُجد. ومن هنا، يتحوّل الانتشار إلى طاقةٍ ، إذا ما أُحسن ربطها بالداخل، تصبح أحد أهم مفاتيح النهوض.


وفي خضمّ الواقع الراهن، يبرز الشباب اللبناني كقوةٍ حقيقية تتجاوز حدود الجغرافيا. شبابٌ في الداخل يصارع التحديات اليومية بإصرار، وآخر في الخارج يراكم الخبرات ويصنع الفرص. وبينهما، تتكوّن معادلة فريدة: معادلة القدرة على التغيير، شرط أن تُحتضن ضمن رؤيةٍ وطنية واضحة، تحميها الوحدة، ويضبطها القانون.


فالوحدة الوطنية في لبنان لم تعد ترفًا فكريًا، بل أصبحت ضرورةً وجودية. هي الإطار الذي يحفظ التوازن في مجتمعٍ متنوّع، ويمنع الانزلاق نحو الانقسام. لكنها، في جوهرها، ليست دعوةً إلى الذوبان، بل إلى التكامل. إذ إنّ قوّة لبنان تكمن في تعدديته، شرط أن تتحوّل هذه التعددية إلى شراكةٍ واعية، لا إلى تنازعٍ مُنهك.


وعلى هذا الأساس، يصبح القانون الركيزة التي لا غنى عنها. فالدولة التي يُحترم فيها القانون، تُعيد بناء الثقة مع أبنائها، في الداخل والاغتراب على حدّ سواء. وعندما يشعر الشاب اللبناني أنّ حقوقه مصونة، وأن جهده لن يُهدر، يتحوّل ارتباطه بوطنه من عاطفةٍ إلى التزام، ومن حنينٍ إلى فعلٍ منتج.


إنّ ما يحمله الشباب اللبناني اليوم يتجاوز الطموح الفردي، ليصل إلى مستوى المسؤولية الجماعية. فجيل اليوم لا يكتفي بالحلم، بل يسعى إلى إعادة تعريفه. من خلال مبادراتٍ مبتكرة، واستثماراتٍ واعدة، وشبكات تواصلٍ عابرة للحدود، يقدّم هذا الجيل نموذجًا جديدًا للعمل الوطني، قائمًا على المعرفة والانفتاح والجرأة.


لكن هذه الطاقات، مهما بلغت من تميّز، تحتاج إلى بيئةٍ تحتضنها. بيئة تُكافئ الكفاءة، وتُشجّع المبادرة، وتفتح المجال أمام مشاركةٍ حقيقية في صنع القرار. فالشباب لا يريدون مجرد الانتماء إلى وطن، بل يريدون أن يكونوا شركاء في صياغة مستقبله.


لبنان اليوم أمام فرصةٍ دقيقة: إمّا أن يستفيد من ثروته البشرية المنتشرة في العالم، أو أن يتركها تتبدّد في مساراتٍ فردية بعيدة عنه. والفرق بين الخيارين يكمن في الإرادة السياسية، وفي القدرة على بناء دولةٍ حديثة، تُعيد الاعتبار لمفهوم المواطنة، وتُرسّخ العدالة كقاعدةٍ لا استثناء.


في النهاية، لا يمكن اختزال لبنان في أزماته، كما لا يمكن اختصار شبابه في معاناتهم. فهناك دائمًا مساحة للأمل، يصنعها أولئك الذين يرفضون الاستسلام، ويؤمنون بأن النهوض ليس صدفة، بل نتيجة وعيٍ وعملٍ متواصل.


وحين تلتقي إرادة الشباب مع وحدةٍ وطنية صادقة، ويُصان هذا اللقاء بقانونٍ عادل، يتحوّل لبنان من ساحة أزمات إلى مساحة فرص… ومن وطنٍ يُهاجر أبناؤه بحثًا عن المستقبل، إلى وطنٍ يعودون إليه لصناعته.


الأستاذ راشد شاتيلا

محلل سياسي لبناني خبير في الذكاء الاصطناعي وإدارة البيانات

Comments