صيدا: أهداف مدنية ووجع يفطر القلوب! بقلم حنان نداف







حنان نداف 


ترخي الحرب الإسرائيلية بظلالها الثقيلة على مدينة صيدا، عاصمة الجنوب، فتغدو الأيام فيها مثقلة بالخوف والوجع، فيما يتنقّل الموت مستهدفاً بيوتاً وشققاً سكنية.. حاصداً أرواحاً بريئة .. 


منذ اندلاع هذه الحرب، لم تسلم صيدا من الاستهدافات المتكررة، وغالبية هذه الضربات طالت أهدافاً مدنية بحتة.. من مبنى المقاصد في قلب المدينة ، إلى شقة في تعمير مخيم عين الحلوة، مروراً بمبنى في منطقة مشاريع الهبة في الفوار، وصولاً إلى شقة سكنية في جادة نبيه بري .. تتكرر المشاهد ذاتها: استهداف مبانٍ سكنية ومدنية ، ركام يغطي المكان ، وصرخات الأهالي تختلط بأصوات سيارات الإسعاف.


لكنّ المأساة هذه المرة كانت أكثر قسوة فقد ارتقت عائلة بأكملها (الأب والأم وولدين) وهم نيام داخل شقتهم ، في مشهد صادم يعكس حجم المأساة التي تضرب المدينة.. عائلة بأكملها أُطفئت حياتها في لحظة، تاركة خلفها وجعاً يفطر القلوب، وأسئلة لا تنتهي عن مصير أرواح بريئة تُطارد حتى في بيوتها وعلى سرير النوم.


إنه وجه آخر من وجوه الهمجية الإسرائيلية التي لا تتورع عن تجاوز كل الحدود، ضاربة عرض الحائط بالأعراف الإنسانية والشرائع الدولية والمواثيق التي تحظر استهداف المدنيين ، فحين تصبح البيوت أهدافاً، وحين يتحول النوم إلى لحظة موت مفاجئة، يقف العقل عاجزاً عن استيعاب هول ما يحدث، ويبدو الشر وكأنه بلغ حدّاً يعجز حتى الشيطان عن مجاراته.


هكذا اصبحت الايام في صيدا لم تعد تشبه سابقاتها بعدما اصبحت تستفيق المدينة بشكل شبه يومي على خبر مجزرة أو استهداف جديد، وسط ذهول يخيّم على وجوه الأهالي وخوف في العيون.. ومع كل استهداف ، تتكرر الصور نفسها: أمهات ثكالى، أطفال مذعورون، وركام يحكي قصة بيت كان عامراً بالحياة.


ورغم هذا الألم العميق، تبقى صيدا وفية لتاريخها ودورها الوطني والإنساني.. فالمدينة التي لطالما شكّلت ملاذاً في الأزمات، ما تزال حتى اليوم من أكبر المجتمعات المضيفة للنازحين، تحتضنهم في مدارسها ومراكزها وبيوت أهلها، في مشهد يعكس روح التضامن المتجذرة في نسيجها الاجتماعي.


تستنفر صيدا بكل مؤسساتها في زمن الحرب ..من البلدية والمحافظة إلى الجمعيات الأهلية، ومن المبادرات الشبابية إلى الفرق التطوعية، يعمل الجميع كجسد واحد في مواجهة الكارثة. وفي كل استهداف، تهب فرق الدفاع المدني والإسعاف إلى المكان، تسابق الوقت لانتشال الجرحى وسحب الشهداء من تحت الركام، وتعمل على رفع الأنقاض والمساعدة في عمليات الإنقاذ، في مشهد تختلط فيه المأساة بالبطولة الإنسانية.


هكذا هي صيدا.. مدينة تتألم لكنها لا تنكسر، مدينة تجمع بين وجع الفقدان وإرادة الحياة، وبين الدموع وروح التضامن التي توحد أبناءها في أصعب اللحظات.


وأمام هول هذه الاستهدافات وعمق الألم الذي يعيشه أهلها، لا يملك المرء إلا أن يدعو بأن يحفظ الله صيدا وأهلها من كل شر، وأن تمر هذه الأيام السوداء سريعاً، لتنقشع غيمة الحرب الثقيلة عن سماء المدينة وعن لبنان كله، علّ نور السلام يشرق من جديد في هذا الوطن المتعب!!







Comments